FROM THE CHRONICLES
Welcome to Munir Taha — Arabic
Original Arabic text · From the Chronicles

كلمة السيّدة ديديه حوراني رئيسة المركز الثقافي للفنون والعلوم "سلكتيوم" وهي ترحّب بعالم الآثار والمدير السابق لمتحف العراق الدكتور
منير طه
أشدّ الترحيب.
كلَّم الحجر فالْتوى وكاد ينطق، قال عرفتك، فانحنى الحجر وتبسَم احتراما وتقديراً، ثمّ بادره: كيف وكم من السنين المُضنية تابعتني لتتعرَف إلي وإلى وجودي في كلَ الأمكنة و الأزمنة؟
فهم يمرُّون مرور الكرام، لا يأبهون ولا يكترثون لي!! فلِمَ عطفُك وشغفك بي؟
أجابه: كوني تقفّيتُ أثرك في شتَى البلاد بعد سَبْرِ أغوارك لاكتشافِ سرِك، بدا لي نورك ساطعاً يُخطّط ملامحك كي يُعْلِمنا عن وجودنا، فتعاطفتُ معك لأردَّ عنك الجهلاء وازدراءهم و أُبعِد عنك أياديهم الظالمة، ولأحضنك بعدما سلَطوا عليك السهام، فخُيِّل إلي أنّي حاضن تاريخ الأمم جمعاء، التاريخ الذي دوَنته على صفحات وجهك الجميل وملمسك الفاتن، وعلى أبواب البشريَة بأحرف من النور. وكم تبارى الناس في معَاتَبتي لاهتمامي بك والخوف عليك، خوفي على وجودي، فكان جوابي:
تفَتَّح نوَّار على خاصِرَتِك وسَرَتِ الأنهار والينابيع بين أحضانك لتُنبِتَ جمالاً ما بعده جمال، فإذ بالأشجار تَتَباهى وتنبُض بالحياة لأنَك كنتَ المِدمَاك لجذورها.
ردّ الحجر: دعني أُكمل سيرتي، فأنا ما جئتُ إلى الكون بلا سبب....... أتيتُ وفي دربي مسؤولية كبيرة لأقيكم من عواصف الدهر وأبني بيوتَكم بركائزٍ ثابتة فتَسكنون بين أساساتي في مأمن من الأخطار والبرد والرياح العاتية، وتُدوِّنون أسماءكم على جبيني و في صدري، وأمّا أنت يا قارِئي فتَسوحُ وتَجول في ربوعي وتهيِّئُ لذِكراك مَكانةً راقيةً في عالمِ النُجوم التي تَدَحْرَجَتْ من ثَنَاياي، ورَجِعْتِ إليّ مُتَمتِمةً أجمل إبداعاتك واكتشافاتك، التي لا شيء يمحوها. هم يذهبون.... وتبقى هي مُتلألئة باسمك، صائنةً للتراث الذي حَفَظْتَه أنتَ للأجيال القادمة. أمّا أنا فكنتُ الشاهد لسُباتهم الأزليّ، وأنت الأنشودة الخالدة لهم والتي لا تنتهي. أتيتَ، يا دكتور منير طه، أتيت ومعَكَ دعوة رسوليّه، شهماً كفارس ذي أصل نبيل، صبوراً على تَحَمُّل جِسام المصاعب بروح عالية، غايتك سامية ودَيْدَنُك الإِيثار. فاختتم الحجر كلامه قائلاً: "التاريخ يبدأ من السومرية..."، هكذا توَّجَ عالِم الآثار Samuel Kramer رحلة أبحاثه في كتابه الشهير: “L’histoire commence à Sumer”
فابتسم له وأجابه متواضعا رغم نبوغه ولكن بعنفوانِ السخيّ بالمعرفة والثريّ بالعلم والإدراك: أعرف ذلك، ولأنهم لا يعرفون أنني اعلم وبأنني منه وله منذ وُلِدْتُ، فإن جئتُ، فهو لحمايتك من العابثين، لقد كنتُ البادئ في فكِّ قيودكَ من الأسرِ العابرِ ورَدَدْتُ لكَ بالمقابل جميل الإنسانية و لن أفيَ إلا القليل القليل من دين تراكم وهو الحفاظ عليك في أجمل المتاحف.
ها حُبُّكَ يرفرف بجناحَيه فوق الفُرات... ويعشعش في أحضان متحفه، ليَزيدَهُ تألُّقاً كنِبْرَاسٍ يُسْتَنَارُ به في الظُلماء، وبصَلابَة لا تَلِين في أيدي الدُخلاء... وها هو يحيا بعد مماتنا.
Dédé Hourani · Collected writings.